* عــندمـــــــا لم يأت المســــــاء **
[ الحلقة الرابعة عشر ] والأخيرة
( 14 ) بقلم مايسة امام
_ ومع نسائم البكور الندية وصويحباتها من الأشعة الذهبية المشرقة في كبد السماء في صبيحة اليوم التالي دخل د. مؤنس لحجرة ولاء مبتسما يقول :
صباح الخير مدام ولاء ، أنا شايف الحمد لله إنك بقيت أحسن كتير وأعتقد البيت والولاد وحشوك ، أنا وقعت أوراق خروجك قبل ما أجيلك تقدري ترجعي بيتك بالسلامة دلوقت ولو حسيت في أي وقت إنك محتاجة لي شرفني .
ولاء متعجبة : أمشي إزاي يادكتور مش نخلص كورس العلاج النفسي الأول ، ولا عاوزني أرجع للولاد وتحصل لي انتكاسه تأثر عليهم !! لا لا استحالة أعمل فيهم كدا ، عاوزة أتخلص تماما من أي رواسب وعقد ممكن تضرولادي وبعدين أرجع، أنا أخاف عليهم مني أأذيهم من غير ما أحس
د. مؤنس : لكن أنت مش مريضة ولا عندك عقد نفسية ومش محتاجة أي علاج ، أنت كنت داخلة المستشفى في حالة إجهاض بسبب ارتفاع في ضغط الدم ، ودا ممكن تكملي علاجه في البيت مع شوية تغذية وفيتامينات هتكوني تمام ، واللي حصلك شوية ضغوط نفسية واجتماعية زادت عن الحد سببت خلل بسيط في الذاكرة ، مع شوية اضطرابات هتختفي تدريجيا بعد مافرغت شحنة الغضب المكبوتة جواك ، وبكدا خلاص الموضوع انتهى
ولاء : لو سمحت متضحكش عليا عشان تواسيني ، وخليني أكمل علاج عشان ولادي أرجوك
ضحك د. مؤنس قائلا : أنت كدا عاوزة تغرمي استاذ حازم في رسوم إقامة زيادة عندنا من غير داعي ، أنت مش محتاجة مستشفيات ولا علاج نفسي ، أنت كنت محتاجة تخرجي اللي جواك واللي كان محبوس من سنين وإحساسك بالقهر والظلم مع تركيبة شخصيتك المعتزة بنفسها ، كان مخليك ضاغطة على نفسك عشان مايظهرش عليك أي تأثير أو حزن أو ضعف ، لكن كل إنسان وله طاقة تحمّل بتختلف نسبتها من شخص للتاني وواضح إن طاقتك كانت انتهت لحد هنا والبركان اللي فضلتي قافلة عليه انفجر من شدة الضغط العصبي ، وأحمدي ربنا إنها جت لحد كدا لأن كان ممكن العواقب تكون أسوأ بكتيييرمما تتخيلي .
وهنا قاطعهم حازم قادما من الخارج وهو يبتسم قائلا : لا يادكتور أرجوك كفاية عواقب كدا تعبنا ، إن شاء الله الزيارة الجاية تكون عندنا في البيت احتفالا بخروج ولاء
شكره د. مؤنس للدعوة الكريمة وغادر المكان مودعا إياهم ، وبسرعة ولهفة أعد حازم حقيبة ولاء وهو يبتسم قائلا : يالا بينا عشان نعدي ناخد الولاد من عند أماني هيتجننوا عليكي ووحشتيهم أوي وقلنا لهم إنك سافرتي مأمورية كام يوم وراجعة ، وحشتي البيت كله حببتي ، كل ركن فيه بيسأل عليكي وخصوصا الركن بتاعنا طبعا
ولاء تبتسم قائلة : أنا كمان وحشوني أوي أوي ونفسي اترمي في حضنهم ، ووحشني الركن بتاعنا في البلكونة ساعة المغربية مع كوبايتين الشاي الحلوين بتوعنا ……. ياااااااه ، نفسي فعلا في كوباية شاي من بتاعة المساء دي
ضحك حازم وهو يمسك بيديها بحنان : عندما يأتي المساء ، وغادرا المكان الذي لا يرجوان له عودة متوجهين للمصعد استعدادا للرحيل .
_ في نفس الوقت كان وائل قد حضر للمستشفى وأنهى إجراءات خروج والدته وصعد ليساعدها ليغادرا المستشفى وتعود لمنزلها بعد تحسن حالتها .
وها هي مجيدة أمام شرفة الغرفة شاردة الذهن ، تفكر بعمق حال بينها أن تشعر بدخول وائل وهو يقول لها : جاهزة ياماما
لم تصلها كلماته حيث كانت غائبة عما حولها ، غارقة في أفكارها ، حتى كرر وائل : ماما مالك أنت تعبانة تستني شوية ؟
تنبهت مجيدة لصوته وقالت : أنا جاهزة يالا بينا ، وتوجها للمصعد ليغادرا المكان الذي شهد أحداث لن تُمحى من ذاكرة أي منهم جميعا .
خرجت مجيدة من المصعد لتجد ولاء في مواجهتها تقف في انتظار زوجها ، فتبادلا نظرات عميقة المعنى ، مختلطة الأحاسيس ثم قالت ولاء : حمد الله على سلامتك ياماما رايحة فين ؟
مجيدة : الله يسلمك ، خلاص ملوش لازمة القعدة أنا كويسة ،وأكملت سيرها نحو الباب لتستقل سيارة وائل الذي أسرع يقول : هنعدي على السوبر ماركت الأول نشتري لك شوية حاجات قبل مانروح البيت وكمان ……. قاطعته مجيدة وهي تمد يدها بورقة مطوية وتقول : اطلع بينا على العنوان دا
تعجب وائل قائلا : عنوان ايه دا ياماما ؟
مجيدة : بلاش تضيع وقت ويالا بينا هتعرف لما نروح
وتحركت السيارة بهم حيث أشار العنوان وما هي إلا ساعة تقريبا ووجد وائل نفسه أمام مبنى مكون من خمس طوابق تحيط به حديقة يفصل سورها بين قاطنيها وبين العالم الخارجي بعدد من الأشجار العالية ، وأعلى البناية لافتة كبيرة مكتوب عليها
( دار الوفاء للمسنين )
لم يصدق وائل عينيه وصاح :
إيه دا ياماما ؟ إزاي تفكري تيجي مكان زي دا ؟ وليه ؟ لو مش عاوزة تقعدي في البيت لوحدك تعالي عندي مش ممكن اللي بتفكري فيه دا !!!!
ردت مجيدة بحزم ويأس مختلطين وهي تتجه نحو البوابة : أنا مش بفكر ، انا فكرت وقررت وحجزت خلاص ، ومش بقعد عن حد أنت عارف ومش عاوزة كلام كتير ، هات لي شنطتي وروح شغلك ، وشوف مصالحك ، ولما تحب تشوفني تعالى ، أنا هنا هرتاح
لم يكن لدى وائل من الجرأة مايجعله يناقش ويجادل والدته ولا سلطة لديه تجعله يثنيها عن عزمها فنفذ ما أمرت به ، وحمل الحقيبة للحجرة التي أُعدت لها والتي لا تختلف كثيرا جدرانها البكماء عن جدران منزلها السابق
مجيدة : خد رقم الدار من الاستقبال وأنت خارج ، وأديهم رقمك عشان لو جرالي حاجة يكلموك
وائل باستعطاف : ياماما راجعي نفسك وتعالي معايا أحسن
مجيدة : خلاص ياوائل الموضوع دا مفيش فيه كلام روح لشغلك وبيتك وسيبني ارتاح شوية
خرج وائل والحزن يملأ نفسه لما آل إليه حال أمه بعد أمجاد رسمتها طيلة السنوات الماضية ولكن لم يكن لديه ما يفعل فرحل وهو يردد : الله يسامحك ياماما ليه عملتي فينا كدا .
_ لم تهتم مجيدة أن تتفحص الغرفة وما بها فكل ما كانت ترغبه مجرد جدران تأويها ، ومن يتابع مواعيد الدواء والطعام الذي زهدته ، ولأول مره تحدث نفسها بصدق أمام المرآة :
خلاص يا مجيدة ارتحتي كدا ؟!عملتي اللي في دماغك وانتصرتي عليهم كلهم؟! ومشيتي كلامك على الكل ، عاقبتي صلاح وولاء ولا عاقبت نفسك ؟!
ياخسارة دفعتي الثمن غالي أوي أوي ، واشتريتي لنفسك تربة فوق الأرض تقعدي فيها لحد ماتنزلي تحت الأرض ، والقت نفسها بين أحضان أريكة بجانب من الغرفة كتلك الأريكة الكريهة بمنزلها ، وجلست القرفصاء تضع وجهها بين يديها ، ثم تناولت ريموت جهاز التليفزيون بحركة آلية تقلب بين قنواته ببرود ولا مبالاة ليأتي بصوت غير صوت أنفاسها المختنقة ولو كان صوتا عبر شاشة صماء ، وإذا بعينيها تقع على لقطة من فيلم لوحش الشاشة فريد شوقي والقديرة سناء جميل تذكرته على الفور، إنه نفس الفيلم الذي سبق وشاهدته ببيتها ولكن في لقطة النهاية حيث تتناول سناء جميل يد زوجها الحبيب على فراش المرض في المستشفى وهي تبكي مرضه المفاجئ ودموعها تغرق يديه ، وإذا به يزيح جهاز التنفس الصناعي عن أنفه وفمه ببطء ويهديها قبلة طائرة جميلة ويقول بوهن : …. بحبك ، فينفجران في الضحك المصحوب بالدموع ويظهر تتر النهاية عندما يأتي المساء ، وتنزل معه دموع مجيدة النادمة وهي تقول : عندما لم يأتِ المساء .
************************
تـــــمــــــت
